تقترن التبريكات والتهاني بشهر رمضان مع بداية دخوله بكلمات قيمية متداولة عبر المنصات الاجتماعية تعبر عن التسامح والاعتذار وطلب المغفرة والتوبة وغيرها من الألفاظ اللغوية التي تجول في الفكر الإنساني، وتلك سمة طيبة من باب التعامل الانساني السامي، والتواصل البشري، يستشعر خلالها المرسل الطمأنينة والراحة بروحانيات الشهر الفضيل، ينفض غبار ما تحمله سريرته من مقاطعة وجفاء يرتجي التسامح، قبل الدخول في أعظم شهور السنة، ليكون صافي النية نقي القلب تجاه الآخرين، خاصة الفئات البشرية الانسانية التي تستشعر حجم الخطايا والمظالم التي ارتكبتها في حق نفسها وحق ربها وحق الناس، أليس هو شهر المغفرة والتوبة وتكفير الذنوب والعتق من النار؟، أليس هو وقاية وحماية للنفس من الوقوع في المعاصي والذنوب والشهوات، وفرصة لتجاوز المتراكمات البغيضة وتغيير وضبط النفس يمنحها الله لعباده لترتيب أوراقهم واصلاح مسار حياتهم؟، هل سنجني ثمرة هذا الشهر الفضيل ونحافظ على مكتسباته الروحانية بالالتزام السلوكي والأخلاقي والثبات ما بعد توديعه؟، أم أن حليمة ستعود لعادتها القديمة، من الجفاء والمقاطعة والخصام والتباغض، ما ينافي الأخلاقيات والقيم الدينية والخلقية، ومن الاسراف والتبذير واتباع الشهوات والمنكرات المحرمة، ومن قطع الصلوات المقترنة بالكفر؟ هل ستطوى الصفحة البيضاء الرمضانية الروحانية وتتغير مسار حياتنا كما كانت قبل رمضان، ونعود دون جني الثمار الربانية كما كنا في لهو ولعب وخصام ونزاع وغفلة وفساد؟ وهل سيذوب جبل الجليد بين العلاقات المتوترة المتأزمة، على المستوى السياسي والمجتمعي؟ هناك أنظمة تسيرها المصالح وتفقد العدالة، وتمارس الظلم، وهناك إخوة متخاصمون على إرث زائل تشهد عليهم المحاكم القضائية، وهناك أرحام قطعت حبل وصلها، وهناك مسئولون لا يخافون في الله لومة لائم، من الاستغلال وفقدان الأمانة والتجاوزات، وهناك أبناء معاقون قطعوا حبل الوصل بين والديهم، وهناك خلافات أسرية تدفعها توافه الأمور الحياتية تنتهي بالطلاق، وهناك الكثير. فهل سنكون بعد رمضان كما قال تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} أم كما قال: «كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم»؟.
شهر رمضان منحة إلهية من يدرك معطياته الايمانية ويلتزم بها في التغيير الجذري لذاته والارتقاء بها للأفضل ومحاسبتها، متى ما يدرك الانسان بأن التغيير ليس حلمًا مؤجلًا بل قرار وإرادة، وإن العلاقة الانسانية مع الله يجب أن تتحول من علاقة موسمية الى صلة دائمة ومتلازمة، ومن عادة متكررة الى عبادة حاضرة في النفس وفي كل وقت، إن تغيير مسار حياتنا مع ذاتنا ومع الناس هو الطريق الصحيح في جني ثمار الصيام ما بعد رمضان، وهذا هو التحدي الأكبر. فطوبى لمن يجعل نهاية رمضان بداية رحلة لا تنقطع مع الله.
عائشة العبيدان الموقع الرسمي للكاتبة عائشة العبيدان