الهروب إلى المجهول وغياب الحلول

الحديث والجدل القائم عن الأسرة وما طرأ عليها من متغيرات عصرية هز كيانها وشتت أفرادها ولامس قيمها وثوابتها حديث يطول، لذلك جنّدت قنواتنا الاعلامية مشكورة، برامج خاصة للحديث عن الأسرة وضرورة دورها في عملية التربية والتنشئة والتعليم والمراقبة، كما هو تفاعل الآراء على المنصات المجتمعية، باعتبارها المكون الأساسي لخلق جيل سوي خُلقًا وسلوكًا لبناء مجتمع ثابت الأركان بقيمه الدينية محافظ على ثوابته، واستضافت ذوي الاختصاص والدعاة للتوعية والتنبيه والتثقيف بأهمية المحافظة على الكيان الأسري وثوابته من المودة والرحمة لقوله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) ومن باب المسؤولية ‏{وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ}‏، فالأسرة اليوم لم تعد كما كانت عليه بالأمس من الاستقرار والطمأنينة والود، تغيرت بحكم التغير النهضوي الذي ساد المجتمع، انصهرت معها كلمات التأنيب والتنبيه والاستنكار والمحاسبة، فالإعلام يُربّي، والمدارس الأجنبية بمناهجها وعقائدها تُعلم، والرفاق قُدوة، والمال وسيلة، “كلمة عيب” لم تجد لها موقعًا في الأسرة التي أصبحت في قلب عاصفة المتغيرات يصعب لملمتها، ويصعب الضغط على زر التحكم في أبنائها لغياب شخصية الأبوين وضعف السيطرة الأبوية نتيجة اتساع الفضاء الاعلامي والتطور التكنولوجي الرقمي، وتأثيره على عقلية الأبناء بخلق شخصية متغايرة منفردة حرة بسلوكها وأفكارها ورأيها بصيغة الحداثة، تجاوزت الاطار الأسري من التوعية والتنبيه، من مبدأ الاختلاف في الفكر والعقلية والتفاوت الزمني بينها وبين الآباء، وامتد هذا التجاوز في بروز ظاهرة سلوكية غريبة، اطارها غربي، مستنكرة بعيدة عن الثوابت والقيم الدينية والمجتمعية في المجتمع، وهي فكرة العزلة والانفصال والخروج التام من الأسرة في شقق منفردة بعيدة عن نطاق الرقابة والتآلف الاسري، ربما لأسباب ذاتية أو أسرية، منها الحرية الفردية، الضغوط الأسرية، التفكك الأسري، العنف الأسري، انشغال الوالدين، والتقليد الأعمى وغيرها، هذا السلوك المستنكر يكون مقبولًا في انفصال وخروج الأولاد البالغين عن نطاق الأسرة وأصبح مألوفًا، لكن غير المألوف انفراد البنت في سكن خاص وانفصالها عن أسرتها من باب الراحة والحرية، بعيدة عن السكن العائلي وعين الرقابة والمساءلة الأبوية، وزادت في السنوات الأخيرة بحجة الحرية والراحة النفسية، معها توارت قيم المودة والرحمة والصلة، بعضهن تجاوزن الخروج من الدولة إلى دول الغرب واتخذتها مقرا وسكنا لتعيش واقعها من الحرية وبلا أسرة وبلا رقابة ومحاسبة، دون التفكير في التبعات والصعاب التي ستواجهها، في بيئة مغايرة بقوانينها وأخلاقها وسلوكها ومعتقداتها، فتاتان من دولة خليجية فرّتا من أسرتيهما الى إحدى الدول الغربية والانصهار في بوتقة حريتها وانتهى بهما المطاف إلى جثث هامدة في شقتهما، لأسباب لم تذكر، ونماذج أخرى اتخذت الانفصال والعزلة والهروب من الأسرة هدفها في تحقيق أحلامها من الحرية المطلقة بعيدة عن المنظار الأسري.

لابد أن تستحوذ هذه الظاهرة على اهتمام أولياء الأمور أولا، وتطويقها ومعرفة الأسباب وعلاجها، وثانياً الرأي العام بالتوعية والتثقيف والمناقشة إعلاميًا وخلال المراكز والمؤسسات الخاصة بشؤون الأسرة، ووضع العلاج قبل أن يصبح الهروب من العائلة مسلكًا متوارثًا، وتقليدًا أعمى مألوفًا ربما يجر وراءه الكثير من الفتيات بلامبالاة ولا استنكار.

عن Aisha Alobaidan

شاهد أيضاً

ورحل نبض الوطن

وتوقفت نبضات قلبه لتعلن رحيله من عالم الفناء الى عالم البقاء. تلك سُنة الحياة وكل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *